محمد بن جرير الطبري

69

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الله وارفع منزلة عنده من سقاة الحاج وعمارة المسجد الحرام وهم بالله مشركون . وَأُولئِكَ يقول : وهؤلاء الذين وصفنا صفتهم أنهم آمنوا وهاجروا وجاهد هُمُ الْفائِزُونَ بالجنة الناجون من النار . القول في تأويل قوله تعالى : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ يقول تعالى ذكره : يبشر هؤلاء الذين آمنوا وهاجروا وجاهد في سبيل الله ربهم برحمة منه لهم أنه قد رحمهم من أن يعذبهم وبرضوان منه لهم ، بأنه قد رضي عنهم بطاعتهم إياه وأدائهم ما كلفهم . وَجَنَّاتٍ يقول : وبساتين لهم فيها نعيم مقيم لا يزول ولا يبيد ، ثابت دائم أبدا لهم . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد الموسوي ، قال : ثنا سفيان ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله ، قال : إذا دخل أهل الجنة الجنة ، قال الله سبحانه : أعطيكم أفضل من هذا ، فيقولون : ربنا أي شيء أفضل من هذا ؟ قال : رضواني " . القول في تأويل قوله تعالى : خالِدِينَ فِيها يقول تعالى ذكره : خالِدِينَ فِيها ماكثين فيها ، يعنى في الجنات . أَبَداً لا نهاية لذلك ولا حد . إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ يقول : إن الله عنده لهؤلاء المؤمنين الذين نعتهم جل ثناؤه النعت الذي ذكر في هذه الآية أجر : ثواب على طاعتهم لربهم وأدائهم ما كلفهم من الأعمال عظيم ، وذلك النعيم الذي وعدهم أن يعطيهم في الآخرة . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله : لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم بطانة وأصدقاء تفشون إليهم أسراركم وتطلعونهم على عورة الإسلام وأهله ، وتؤثرون المكث بين أظهرهم على الهجرة إلى دار الإسلام . إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ يقول : إن اختاروا الكفر بالله على التصديق به والإقرار بتوحيده . وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ يقول : ومن يتخذهم منكم بطانة من دون المؤمنين ، ويؤثر المقام معهم على الهجرة إلى رسول الله ودار الإسلام ؛ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يقول : فالذين يفعلون ذلك منكم هم الذين خالفوا أمر الله ، فوضعوا الولاية في غير موضعها وعصوا الله في أمره . وقيل : إن ذلك نزل نهيا من الله المؤمنين عن موالاة أقربائهم الذين لم يهاجروا من أرض الشرك إلى دار الإسلام . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ قال : أمروا بالهجرة ، فقال العباس بن عبد المطلب : أنا أسقي الحاج وقال طلحة أخو بني عبد الدار : أنا صاحب الكعبة فلا نهاجر فأنزلت : لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إلى قوله : يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ بالفتح ، في أمره إياهم بالهجرة ، هذا كله قبل فتح مكة . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ يقول تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد للمتخلفين عن الهجرة إلى دار الإسلام المقيمين بدار الشرك : إن كان المقام مع آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وأزواجكم . وكانت أَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها يقول : اكتسبتموها . وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها بفراقكم بلدكم . وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها فسكنتموها . أَحَبَّ إِلَيْكُمْ من الهجرة إلى الله ورسوله من دار الشرك ومن جهاد في سبيله ، يعني في نصرة دين الله الذي ارتضاه .